محمد متولي الشعراوي
4524
تفسير الشعراوى
وعلى فرض أنهم عباد أمثالكم ، فالعبد من الأحياء حينما يأتي شئ يستذله ، قد يستطيع أن يدفع عن نفسه بعض الشئ إلا إن كان الشئ قويا فوق طاقته . فالمراد والمقصود أنهم عباد أمثالكم أي مذللون ومسخرون ولا يستطيعون دفع شئ عن أنفسهم . وأنت إذا ما نظرت إلى هذه المسألة وأخذت معنى عباد على معناها الإطلاقى ، فأنت تعلم أن العبد هو كل مسخر مذلل من العباد . لكن هناك مذلل ومسخر فيما لا اختيار له فيه ، وآخر مذلل ومسخر فيما له فيه اختيار أيضا ، والفرق بين الاثنين أن الكافر فيما له اختيار ؛ إما أن يؤمن وإما أن لا يؤمن ويختار الكفر ، بل إن الإنسان المؤمن له الاختيار في أن يطيع أو يعصى . ولكن هناك أشياء أخرى تجرى على الإنسان لا اختيار له فيها ، كأن يمرض ولا يقدر أن يقول : لا لن أمرض ، أو قد يأتيه الموت فلا يقدر أن يقول : لن أموت . وقد يهلك ماله أو تحترق داره فلا يستطيع دفع القدر ، وكل هذه أمور قهرية يكون الإنسان فيها مذللا مسخرا ، والكافر والمؤمن في هذه الأمور سواء . والمؤمن يتميز بأنه يتبع منهج اللّه فيما له فيه اختيار ، وهذه فائدة الإيمان ، وبذلك يخرج المؤمن عن الاختيار المخلوق لله ، إلى مراد اللّه منه في الحكم ، ويستوى بكل شئ مسخر لله ، ولذلك نقول للذين يكفرون : كفرتم وتأبيتم بما خلق فيكم من الاختيار عن الإيمان بالله . وقد جعلها اللّه لكم بقوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ( من الآية 29 سورة الكهف ) وما دام الواحد منكم أيها الكافرون يتأبى ويستكبر على حكم اللّه ، إذن فللو أحد منكم أيها الكافرون رياضة على التمرد ، فلماذا لا تقول للمرض لن أستسلم لك . ولن يستطيع أحد الكافرين ذلك ، لأنه إنما يكفر بما له حق ممنوح من اللّه في منطقة الاختيار ، أما في غير ذلك فالكل عباد مذللون .